


بالأمس آخر أيام مايو من عام 2010 ... أتممت عامي الثاني والعشرين منذ خروجي إلى هذا العالم الغريب العجيب , وأما اليوم فأنا أحتفل بيوم ميلادي المسجل في دفاتر الحكومة , الاول من يونيو , وبالطبع لا أرى فارقا كبيرا بين اليومين , فكلاهما في فترة من اصعب الفترات السنوية في حياة أغلب البشر , فترة الاختبارات !
فمنذ أن بدأت أمارس حياتي العملية كطالب في مدرسة ابتدائية , بدأ يتحول عيد ميلادي من يوم احتفال سنوي , إلى يوم استعداد لأحد اختبارات نهاية العام , وبدلا من أن يكون يوم فرح وراحة , تحول إلى حفلة سنوية تمارس فيها كل اساليب القلق والتوتر , وأما جملة " كل سنه وانت طيب " فقد حلت محلها " مش هاتقوم تكمل مذاكرة ؟َ! " , وبدلا من فتح الهدايا كنت افتح كتب المدرسة !
في البداية كنت اشعر بالحزن عندما ينسى شخص ما هذا اليوم الذي أراه عظيما , ولكن مع الوقت صرت أنا نفسي أنساه ولا ألقي له بالا, وصرت اعتبره يوما عاديا كسائر الايام , وقد لا أتذكره البته إلا بعد أن يقول أحد ما " ايه ده , انت كان عيد ميلادك من يومين , مش كده ؟! " , وعندما أسمع تلك الجملة الأخيرة أرفع حاجبي الايمن واغمض عيني اليسرى لأعود بالزمن إلى الوراء يومين ثم أرد عليه قائلا ... " لا ياعم , من يومين كان عندي امتحان فيزيا " !
ولكم أن تتخيلوا مدى الحميمية عندما تدق الساعة الثانية عشرة مساء معلنة عن بدء عام جديد في حياتك فتجد ورقة ملقية أمامك , قد تحسبها في البداية كارت معايده تركه لك شخص عزيز , ولكن عندما تتمعن في قراءتها تجدها مجرد ورقة مخطوط عليها قوانين نيوتن للجاذبية , أو معادلات كيمياء عضوية أو حتى مرادفات لكلمة " اضطهاد " !
تقول لي جدتي , انني كنت أرفض الخروج من رحم أمي , فبعد اتمامي شهوري التسع الطبيعية , اعطاني الطبيب فرصة لأعود في قراري واستسلم للخروج إلى هذه الدنيا بمحض ارادتي , ولكنني استمررت في الرفض لأكثر من خمسة عشر يوما اضافيا على مدة اقامتي المفروضة , وفي اليوم الخامس عشر الموافق 31 من مايو من عام 1988 استشاط الطبيب غضبا , وقرر أن يخرجني إلى هذه الدنيا , ويا ليته ما فعل ...
عندما حكت لي جدتي هذه القصة لأول مرة , كان تعليقها في الختام ... " من يوم ما كنت في بطن امك وانت كسلان " , بل أصبحت القصة التي تستشهد بها أمام كل غريب وقريب على مدى كسلي , ولكن على العكس تماما , فهي لم تفطن إلى أن هذه القصة هي خير استشهاد على حكمتي الجنينية , فقد كان هدفي الاول والاخير وقتها هو أن ابتعد عن هذا الفترة , وأن اؤجل موعد نزولي شهرا أو شهرين , لأولد في اجازة نهاية العام فيتسنى لي الاحتفال بيوم مولدي من بعد ذلك ... فأغتنم الهدايا , واستمتع بأكل الحلويات وشرب المرطبات , ولكن للأسف ... قد أتت الرياح بما لا تشتهي السفن , وحطم ذلك الطبيب كل خططي , ودفن كل أحلامي في بحر مظلم لا يحوي سوى كتبا واختبارات ودرجات نجاح ورسوب !
و بعدما انتشر الموقع الاجتماعي الشهير " الفيس بوك " , وأصبح يذكر الناس بأعياد ميلاد أصدقائهم , توالت التهنئات السنوية بعيد ميلادي , البعض يهاتفني ليتمنى لي سنة سعيدة واختبارا سهلا , أو يكتفي البعض الآخر بكتبة جملة على " الوول " من فصيلة " كل سنه وانت طيب , بس مش فاضينلك " ... وفي وسط هذه الظروف , فمن الطبيعي أن يضيع مفهوم الهدية , وكاستثناء كان البعض يهدونني قلما كنوع من الدعم النفسي أو باعتباره " سلاحا للتلميذ " !
في النهاية ... أعتقد أن أجمل هدية قد أحصل عليها في يوم مثل هذا , هو دعوة خالصة صادقة من القلب بأن تنتهي هذه الفترة على خير , وأن تمر الامتحانات بسلام , وأن أتخرج سريعا حتى أستطيع أن أمارس حقي في الاحتفال بعيد ميلادي !