الاثنين، 24 مايو 2010

أمام عينيها


أمام عينيها وقف " شاكر " جامدا كالأصنام , لم يقوَ على التحرك مطلقا , ولم ينبس ببنت شفة , وظلت كلمات " آية " تخرج من بين شفتيها كالمدفع الرشاش , وكأي قناص محترف , استطاعت كل كلمة أن تحفر مكانا لها في قلبه مسببة له ألما تلو آخر , من دون أن تعطيه فرصة واحده ليعبر عن كل تلك الآلام , ولو حتى بقولة " آه ٍ " واحدة , وعلى الرغم من شكله المرعب لم تتوانى من أن تطعنه بآخر أسلحتها حين وضعت خاتم خطوبتهما بين أصابع يده بكل رقة , لتمر لمستها في جسده كالكهرباء الصاعقة , وفي هول صدمته قالت له " ربنا يرزقك ببنت الحلال " ثم أدارت له ظهرها وتركته غارقا في جراحه ,غير عابئة بكل تلك الذكريات التي جمعت بينهما .

كانت علاقتهما في البدء بسيطة , تعرف عليها سريعا عن طريق صديق مشترك في أول مرة ذهب فيها إلى " ساقية الصاوي " , ولم تتجاوز علاقتهما بعد ذلك حدود تبادل التحية والسلام , وفي أحد الأيام ... في وسط انهماكه في قراءة رواية " يوتوبيا " أمام نهر النيل في الساقية , فاجأته بسحب الرواية من بين يديه معبرة عن كرهها لكم التشاؤم التي تبعثه تلك الرواية في القارئ , وليس لأن حاضرنا مزريا يكون المستقبل بالتبعية مزريا كذلك كما تخيل د. أحمد خالد توفيق, بل بالعكس , فما اقتربت حضارة ما من الحضيض حتى نهضت بسرعة خرافية , وأخذت موقف ألمانيا بعد هزيمة هتلر في الحرب العالمية مثالا على ذلك , وكيف تحولت من دولة مدمرة إلى واحده من الدول الصناعية العظمى , وكذلك اليابان التي تحولت في غمضة عين إلى ما هي عليه الآن بعد أن استخدمتهم أمريكا حقلا لتجربة علمية وكأنهم مجموعه من فئران المعامل التي لا تستحق الحياة ... ولم تتوقف عن سرد كل الحقائق التاريخية التي تبعث إلى الأمل في المستقبل ... وظلا بعدها يتناقشان لساعات إلى أن جاء موعد الغروب الذي قطع حديثهما , فسحبت حقيبتها استعدادا للمغادرة واعتذرت له عن متابعة حوارهما حتى لا تتأخر عن موعدها في المنزل .

تألقت في عينيه منذ ذلك اليوم , بأسلوبها في الكلام وثقافتها العالية وتفكيرها المتميز , ولم يترك فرصة بعدها تمكنه من التحدث معها إلا واستغلها , ومع مرور الوقت طالت جلسات حديثهما , فتعمق كلا منهما في اكتشاف الآخر , وتعجبا من كم التشابهات التي تجمع بينهما , فكلاهما عاش حياته الأولى خارج الأراضي المصرية , وكلاهما يهوى الكتابة , ويحفظان أغاني محمد منير عن ظهر قلب , وكذلك لم يترك احدهما رواية أو قصة قصيرة لبهاء طاهر إلا وقرأها , حتى في أتفه الأشياء , فكلاهما يفضل اللون الأزرق ويكره شرب الحليب .

ازداد إعجاب كلا منهما للآخر مع مرور الأيام , وعلى الرغم من شبه تأكد كلا منهما من وجود إعجاب متبادل إلا أنهما تخوفا من كونها مجرد أوهام , بل إن " آية " قد ألغت الفكرة من رأسها بالفعل بعد أن طالت لقاءاتهما من دون أن يقوم " شاكر " بالتقدم بأي خطوة تذكر , وعلى العكس كان " شاكر " , فهو لم يتوقف في التفكير فيها لحظة واحده , وكل ما كان يمنعه من إبداء مشاعره هو خوفه من ردة فعلها , وليس الرفض ما كان يخافه , بل أن تتخذ منه موقفا بالابتعاد عنه بعد ذلك , أو أن تأتي الرياح من بعد موافقتها بما لا تشتهيه السفن .

وفي أحد الأيام تشجع قلبه , وتجاوز كل حواجز الخوف التي كانت تنتابه وأخبرها بكل طلاقة مشاعره نحوها , في البدء لم تصدق " آية " أذنيها , احمرت وجنتاها وتلعثمت خجلا في ردها البسيط الذي كان " أنا مضطره امشي دلوقتي " , لتتركه في حيرة استمرت لأكثر من أسبوعين , أغلقت فيهما هاتفها المحمول , كما امتنعت عن الخروج من المنزل .

لم يصدق أذنه عندما اصدر هاتفه تلك النغمة التي خصصها لها , وما أن رد عليها حتى قالت له من دون مقدمات " أنا آسفة من اللي حصل مني المرة اللي فاتت , بس لازم نتقابل " !

حددا موعدا , حطما فيه كل الحواجز ... تجردا من خوفهما .. كسرا كل الموانع ... تخيلا كل يوم سيمر عليهما ... تمنيا أن يعيشا في سعادة أبدية ... وأن يكون يوم وفاتهما واحدا ... ومنعا عقلهما من استقبال أي فكرة سلبية تعكر صفو بالهما ... وفي موعد الغروب كالعادة انتهى موعدهما ,فودع أحدهما الآخر متمنيا له أحلاما سعيدة !

ولكن ما من نوم زار أحدهما , فقد ظل شاكر ساهرا طوال الليل منتشيا بالسعادة التي حلت على قلبه بموافقتها , وعلى العكس تماما كانت " آية " , فقد ظلت طوال الليل تنزف من أعينها أنهار دموع !

لم يتأخر شاكر في إبداء رغبته بالتقدم إلى أهلها رسميا , ظنا منه بأن ذلك سيقوي من علاقتهما , ويبدد أي شك يدخل على عقل حبيبته , ولكن على عكس توقعاته جاءت ردود " آية " , التي ظلت ترفض التقدم إلى تلك الخطوة , حتى يتأكد كلا منهما بما يكنه من مشاعر تجاه الآخر .

مع تكرار رفضها بدأ الشك يتخلل قلب " شاكر " , ولكنه على الرغم من كل محاولاته لمعرفة سببا واضحا لرفضها ... لم يصل لشيء , مما أثار غضبه في إحدى جلساتهما التي انتهت بتهديده بأنه سيتركها إلا إذا حددت له موعدا مع أهلها خلال أسبوع , أو ان تصارحه بسبب عقلاني لهذا الرفض الغير مبرر .

وتحت هذه الضغوط استسلمت لرغبته وبالفعل تقدم لخطبتها خلال أسبوع , واستسلم الأهل لرغبات الحبيبان , وفي خلال شهر واحد تعرفت أسرة " شاكر " على أسرة " آية " , وفي جلسة الاتفاق على الماديات أخذ " شاكر " و " آية " يسخران من تلك الاتفاقيات التي لطالما رأياها مادية لا تناسب ما هما فيه من عشق أذاب روحيهما , ومن تصرفات ذلك المجتمع الذي حول كل ملامح الحياة الجميلة إلى أوراق جافة لا تجلب سعادة ولا تصرف حزنا , ولكنهما في النهاية كان عليهما الرضوخ لتلك التقاليد .

وبعد عدة شهور , استطاعت " آية " أن تتغلب على قلقها , واتخذت قرارا بإخبار "شاكر" سر حياتها الأعظم , ذلك السر الذي لم يحط به علما إلا شقيقتها أقرب المقربين إليها , وعلى الرغم من قلقها وخوفها من ردة فعله , أقنعت نفسها بأنه هذا السر سيكون كافيا على الأقل لتتأكد من شريك عمرها المستقبلي !

حاولت أن تفاتحه في ذلك الموضوع وجها لوجه في كل لقاء يجمع بينهما , ولكن دائما ما كان ينتابها قلق مفزع حينما تتخيل ملامح وجهه الغاضبة بعد أن يستمع لذلك السر , ولكي تتجنب ذلك الفزع , قررت أن تخبره في أحدى المكالمات الهاتفية , وهنا كانت بداية النهاية .

اتصلت به في إحدى الليالي الليلاء , وبعد التحية والسلام , مهدت له الطريق , أخبرته بأنها ستخبره بذلك السبب القديم الذي جعلها تنعزل الدنيا في بداية علاقتهما , وانه هو نفسه السبب الذي جعلها تتردد في أمر الخطوبة ! , وأنه يملك مطلق الحرية في أن يتركها أو يستمر معها من بعد ذلك ! .

ارتجف قلبه من سماع تلك الكلمات , وما أن بدأت بإخباره عن تلك الحادثة التي مرت بها في سنتها الثامنة , حتى بدأ صوتها يتغير , وعندما أخبرته بأنه تم اختطافها و الاعتداء عليها جنسيا في أحد أيام تلك السنة المشئومة أجهشت في البكاء , وما أن دخلت تلك الكلمات أذن "شاكر" حتى شعر وكأن قلبه تكسر داخل صدره كقطعة زجاج هشة ... لم يستطع الرد , فما كان منه إلا أن قال بصوته المحتقن " طب اقفلي دلوقتي وأكلمك بعدين " !

في لقائهما قبل الأخير بدأ كلامه بأنها يجب أن تتفهم بأنه " رجل شرقي " , وأن مثل تلك الأمور تثير داخله حساسيات لا يمكن تجاهلها , لم تقاطعه طوال حديثه , على الرغم من رغبته في أن تقاطعه طوال سرده لمبرراته التي ورثها من ذلك المجتمع الذي لطالما نقما عليه معا في أحاديثهما الطويلة, ولكنها لم تتزحزح عن موقفها طوال كلامه الذي كان مغزاه واضحا , كان كل هدفها أن تستخلص منه كل ما يمكن أن يكون سببا كافيا لأن تتركه من دون أن يكون له حجة , من دون أن تشعر ولو للحظة أنها ظلمته , وكما توقعت قال لها الجملة التي قصمت ظهر البعير ... قالها في وجهها " لازم تكشفي على غشاء البكارة , لو موجود مش هاتخلى عنك ! " , اتسع إنسان عينيها عندما سمعت تلك الكلمات تخرج من فم حبيبها , حملت حقيبتها وقالت له بصوت لا يكاد أن يُسمع " أنا مش مستعدة ارتبط بواحد شايفني غشاء بكارة , ولعلمك أنا كشفت ولسه صاغ سليم ! " ثم تركته غارقا في صدمته .

حاول بعدها كثيرا أن يعود إليها , أن يطلب منها الغفران , وأن تسامحه على لحظة تسرع , ولكنها كانت تتجاهله بكل الطرق , وكانت تبرر تصرفاته تلك لعلمه بأنها ما زالت بكرا عذراء , ولو أنها قالت له غير ذلك لما كان هذا موقفه .

قررت أن هذه هي المحطة الأخيرة في علاقتهما , فلم تترك فرصة في نفسها للعودة إليه إلا وأجهضتها , وبعدما أن ألقت خاتم الخطوبة في يده , ذهبت إلى أختها لتستمر في البكاء على حبها شهيد ظروف وموروثات , لم يكن لها يد في منع ولو أحدهما يوما ما !

(تمت)

1 عبر مين قدك !!:

كلمات من نور يقول...

جاهلية والله اللي احنا لسه فيها دي ...قفز للنتائج و عدم التفكير قبل الرد .....طيب معلش نساله بقى هو سؤال ...هل هو عذراء؟؟؟

اقرأ معي هذه الصرخة يا رحالة ...إنها صرخة أنثى ملتزمة تريد زوجا بكرا بلا خطايا و أوزار الزنا

http://mhg1962.ba7r.org/montada-f8/topic-t471.htm


موضوع رائع بجد وقصة موجودة وواقع مر