
(1)
( اليوم هو الأول من ابريل ذلك الشهر الذي انتظره من العام إلى العام , لكم اعشق هذا الشهر ولكم اكرهه ! )
ففي كل عام في مثل هذا اليوم يأتي إلينا الشيخ عادل أحد أئمة المساجد في مدينتنا إلى منزلنا القاطن في إحدى عشوائيات المدينة حتى يذكر خالتي وزوجها بشهر ابريل – وكأنهما كانا بحاجة إلى التذكير – ويطلب منهما أن يستعدا لأنه سيقوم بطلبي أنا وأختي في أي وقت خلال هذا الشهر ثم يخرج من عندنا ويعود بعدها بفترة تختلف من عام إلى آخر ليخبرهما بأن الخير جاء سريعا هذا العام وانه سيأتي بعد الغد عقب صلاة الظهر ليأخذني أنا وأختي .
في بادئ الأمر عندما كنت أرى البهجة واضحة على وجه خالتي وهي تهلل بالشيخ عادل كلما بشرها بمثل هذه الأيام أشعر بالحزن الشديد , وعلى الرغم من ذلك فإنني اليوم وبعد كل هذه السنين ألتمس العذر لخالتي وزوجها اللذين لم تمنعهما ظروفهما المادية الصعبة من أن يبذلا قصارى جهدهما ليربيا أولادهما ولم يتوانيا لحظة بأن يكفلانا أنا وأختي بعد وفاة والدينا ... لكم كانت حياتهما صعبة !
(2)
( يوم اليتيم * ... أول جمعه في شهر ابريل ! )
لكم كنت أكره السير في الشوارع خلال تلك الفترة التي تسبق يوم اليتيم , ولكم كنت أكره كل تلك اليافطات المعلقة على المباني التي تدعو الناس للمشاركة فيه , وأكثر ما كنت أكره هي تلك الأعين التي كانت ترتد من على اليافطة لتنظر إلى عيني مباشره وإن لم تكن تعلم عني شيئا , فقد كنت أظن أن الجميع يتآمرون ضدي ويفعلون كل ذلك فقط ليذكرونني بأنني ذلك الطفل الذي لا أب ولا أم له , ولكم استشعرت النفاق في كل تلك الابتسامات و الأيادي التي تمتد لتعبث في شعري ابتغاء للحسنات , وكأن تلك الحسنات لا تسجلها الملائكة إلا في شهر إبريل المعظم , وكأننا لا نتواجد في هذا العالم البغيض إلا خلال تلك الأيام المعدودة من شهر ابريل التي ما نلبث أن نموت بعدها لنبعث من جديد في ابريل الذي يليه.
(3)
( خطبة الجمعة ... دائما عني )
أول جمعه من إبريل كان كالعيد بالنسبة لخالتي , فقط كانت توقظني أنا وأختي مبكرا لنستحم ونرتدي أفضل ما لدينا من ملبس , ثم يأتي الشيخ عادل ليأخذنا إلى المسجد حيث يتركنا مع مساعده وبعض من الأطفال اليتامى الآخرين الذين كنت اعرفهم فردا فردا ثم يتركنا بعد ذلك ليجلب طفلا أو طفلين آخرين , هكذا حتى تكتمل المجموعة , قبل أذان ظهر الجمعة , وكانت تتراوح أعمارنا آن ذاك من سنتين إلى الأربعة عشر عام .
يعتلي بعد ذلك الشيخ عادل المنبر ليلقي خطبة الجمعة , تلك الخطبة التي دائما ما كنت أجد فيها ردا لحقي , فبعد البسملة و الصلاة على النبي والسلام عليه يشكر رواد المسجد على مساهمتهم في يوم اليتيم برقته المعهودة ثم ينفجر فجأة ليعلو صوته ويحمر وجهه وهو يتكلم عن حقوق اليتيم التي يجب أن يتذكروها طوال العام , وان كفالة اليتيم ليست ليوم واحد فقط بل هي طوال العام وكأنه يعاتب كل من لا يشارك إلا في ذلك اليوم, ويظل يردد في الأحاديث والآيات التي تكرم اليتيم وتدعو لمراعاة حاجياته دون أن تُمَس كرامته بأي سوء , ويلي ذلك جزأي المفضل في الخطبة حين يذكرنا جميعا بأن رسول أمتنا ولد يتيما وعاش يتيما فيقشعر جسدي وتزول كل تلك الضغينة التي تولدت داخلي وتملأ الابتسامة جسدي وروحي .
(4)
( أحببتهم جميعا ! )
لا أنكر أن هذا اليوم كان بالنسبة لي كالعيد بالفعل , فبعد أن تنتهي الصلاة يجمعنا الشيخ في سيارة ميكروباص ويذهب بنا إلى أحد المطاعم لنأكل غذاءنا الذي لا يخلو من اللحم أو الدجاج بالإضافة إلى بعض المشروبات الغازية التي كانت أكثر ما نستمتع به بعد الوجبة الدسمة , وبعدها مباشرة نذهب إلى أحد الحدائق لنجد مجموعه من الشباب والبنات في انتظارنا , وبعد فترة من الصمت والتعارف تدوي الضحكات والقهقهات من الجميع خلال فقرات اليوم المختلفة من مسابقات وألعاب ومسرحيات تعليمية صغيرة يؤديها أولئك الشباب فتدخل البهجة والنور إلى أرواحنا الصغيرة التي طالما ما امتلأت بالحزن والظلام.
(5)
( ما أصعب فراق الأحبة ! )
ما أن يقترب مغيب الشمس في الأفق حتى يعلن الجميع انتهاء ذلك اليوم الجميل فتختفي الابتسامات من على الوجوه ويعم الكدر والصمت فجأة , وتبدأ ردود أفعال الأطفال التي تأبى أن ينتهي مثل ذلك اليوم وتتمنى ولو أنه استمر للأبد , فهذا يبكي بدون أن يبدي أسبابا , وتلك تجلس في ركن بعيد في صمت تام , وذلك يبدأ يتصرف بعنف فيضرب احد الشباب أو حتى أحد الأطفال , ولكم تعجبت في أحد الأيام حين جاءت أختي بورقة من الأرض وطلبت قلما من إحدى البنات ثم طلبت من الجميع أن يكتبوا لها أرقام هواتفهم واستجاب لها الأغلبية بالفعل , وبالكاد كتمت يومها ضحكاتي الساخرة وإعلان أننا لا نملك هاتفا خوفا من أن اجرح مشاعر تلك الملاك البريء التي تتشبث بأي شيء لكي تحافظ على تلك العلاقات البريئة مع هؤلاء الذين أدخلوا بعضا من السرور في قلبها .
وبعد فشل جميع المحاولات يقوم الشيخ عادل بتجميعنا حوله ويقوم احد الشباب بتوزيع بعض الهدايا علينا من ألعاب و أدوات مدرسية جديدة ومواد غذائية لطالما فرح بها أهالينا , ثم نذهب إلى الميكروباص لنعود إلى منازلنا وأعيننا ممتلئة بالدموع وكأننا نساق إلى مقابرنا التي سنرقد فيها إلى أن نبعث في ابريل القادم.